السيد محمد باقر الصدر

558

أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )

استمع « 1 » إليه وهو يخاطب معشوقه العظيم عند مسيره إلى جهاده في دعاء عرفة ، الذي هو النشيد الخالد للعبوديّة المخلصة : « ماذا وجد من فقدك ؟ وما الذي فقد من وجدك » « 2 » . بهذه الروح الرائعة التي لا يدخل شيءٌ من أشياء هذا العالم المحدود في حسابها ، ولا ترى بعد الظفر بالجانب الإلهي جانباً آخر يخشى فواته ، أو يؤمل إدراكه ؛ لأنّ المحدود ليس إلّا لمعة لذلك الوجود غير المحدود . أقول : بهذه الروح المعنويّة الباهرة دخل إلى معركة كربلاء ، مضحّياً بنفسه وبصفوة البنين والإخوة والأصحاب ، وبجميع اعتبارات هذه الدنيا الفانية ؛ لأنّ سكرة العشق الإلهي جعلته يرتفع عن ذلك كلّه ، فلا يرى بعينَيْ عقله إلّا معشوقه العظيم ، يتقبّل منه قرابين التضحية ، ويبارك له فيها ، فيزداد إطلاقةً وبِشراً كلّما ازدادت المعركة اتّساعاً وفارت دماً . خاض الحسين تلك المعركة الهائلة مندفعاً بضمير إلهيٍّ يملأ ذات نفسه ، وبيده مشعلُ الحياة والنور ، ولكن شاء صانعو الموت للشعوب - الذين لا يمكن أن يقيموا عروشهم الجائرة إلّا في ظلام - أن يطفئوا ذلك المشعل ، ويقضوا على ذلك النور . وكانت تلك المعركة مظهراً دامياً للصراع الهائل الذي انبثق عن وضع نظام الدولة في جوهر الإسلام ؛ وذلك أنّ الإسلام - بطبيعته المتوثّبة إلى الاتّصال والخلود ، وبجوهره الذي جاء بالصيغة النهائيّة لرسالات السماء - لم يكن ليرضى إلّا أن يمتدّ بوجوده ما امتدّت هذه الإنسانيّة ، مهذِّباً ومنظِّماً ، ولهذا وَضَعَ في الصميم من دستوره نظامَ الدولة العادلة ، فكان ذلك إكمالًا للدين وإتماماً للنعمة كما أعلنه القرآن العظيم عند احتفال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ودنيا الإسلام يومَ الغدير بوضع نظام الدولة المخلصة « 3 » .

--> ( 1 ) في الأصل : « اسمع » . ( 2 ) الإقبال بالأعمال الحسنة : 349 . ( 3 ) في قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ( المائدة : 3 ) .